هرطقات جامعي

أحيانا أبدأ كتابة تدوينة ولا أعرف أين ستنتهي ، ولذلك اخترت هرطقات جامعي كعنوان.

خلال سنوات دراستي في الكلية كنت أحب حين يحدثنا المحاضر عن قصة حياته وتجاربه وخبراته ، كثير من الطلاب كان يتذمر ويطلب “الزبدة” فقط لكني كنت أجد هذه القصص مثيرة للإهتمام وملهمة.

حاليا أدرس ماجستير البحث الطبي وأدرس عند أحد أكثر الدكاترة إلهاما وأكثر شخص مثير للإهتمام في العالم. يحكي لنا هذا الدكتور قصصه بين الحين والآخر ، إحدى قصصه كيف أنه هو الذي أسس شركة للحصول على موافقة هيئة الغذاء والدواء الأمريكية لإدخال دواء أميدارون لأمريكا وكيف تم طرده بعد ذلك من الشركة بسبب خلاف حول تصميم البحث الطبي اللازم لإثبات فعالية الدواء ، قصة أخرى عن لقاءه مع السير جيمس بلاك الحاصل على جائزة نوبل في الطب لإختراعه دواء بروبرانولول ودواء سيميتيدين. يقتبس لنا الدكتور جملة قالها له السير بلاك بترجمتي المتواضعة: “اسمع ياجون ، الحصول على جائزة نوبل أمر بسيط جدا ، كل ماعليك فعله هو أن تختار جهازا حيويا في جسم الإنسان تمت دراسته جيدا ونعرف كيف يعمل ومن ثم نقوم بصناعة مئات المركبات الكيميائية التي قد تعمل عليه ونقوم بتجربتها ، واحد منها على الأقل سيحقق نجاحا”. وتكتمل القصة لاحقا بأن الدكتور الذي أدرس عنده الآن يعمل على دواء جديد ولديه 110 مركبا كيميائيا سيقوم بتجربتها.

*في هذه اللحظة لدي ثلاث استطرادات للجملة السابقة وأخشى إن استطردت في واحد ألا استطيع العودة للباقين أو أن أنسى ولذلك سأذكر نفسي بعنوانين قصيرة: جائزة نوبل ، مركبات كيميائية *

الاستطراد الأول هو لا أظن أني سأقوم بعمل بحث يستحق أن يحصل على جائوة نوبل لكن من الجميل أن سماع مثل هذه القصص ولا مانع من القليل من أحلام اليقظة خصوصا أني أمر حاليا بإحدى أكثر الفترات مللا في حياتي العملية – حياتي الخاصة مليئة بالإثارة شكرا لاهتمامكم – حيث أني بعد أن انتهيت من الإختبارات المملة أقوم حاليا بالمساعدة في بحث يومين في الاسبوع فقط.

وأنا أكتب الجمل السابقة كنت أفكر أن كل إختبار عملته منذ أتيت إلى أمريكا كان يتطلب تفكيرا أقل من السابق ، ستيب ون كان تحديا لربط المعلومات التي تعرفها بالسيناريو وكنت تحتاج لربط عدة معلومات لحل سؤال واحد ، كان اختبارا يحفز العقل ، ستيب تو النظري كان أقل تحفيزا للعقل لأنه في الغالب كنت تحتاج لربط معلومتين لحل السؤال ، ستيب تو العملي كان اختبارا لقدراتك التمثيلية ولا تحتاج أن تكون ممثلا بارعا للنجاح أو ربما كنت أنا موهوبا بالفطرة ، بعد ذلك عملت الإختبار الكندي وكان أكثر إختبار ممل عملته في حياتي ، لا يوجد أي تحفيز للعقل فيه ، لا تحتاج لربط أي معلومة بأخرى ، السؤال يسأل عن معلومة محددة إن عرفتها أجبت وإن لم تعرف اخترت أي خيار وانتقلت للسؤال التالي ، كان اختبارا مملا لدرجة أني نمت – فعلا – أثناء الإختبار ، والشيء الوحيد الذي تعلمته من الإختبار هو أن النوم ممنوع أثناء الإختبار. وبرأيي أن هذا قانون غير عادل ، إن كنت أريد النوم في الإختبار فهذا حقي ولا أجد أن منعي من النوم يقدم أي إضافة للجهة المقدمة للإختبار.

حين بدأت هذه المدونة – قبل عشرة سنوات تقريبا! – كنت أحلم أن تنتشر بين أصدقائي فقط ، وبعد ذلك كنت أتمنى أن تنتشر بين زملائي في الدفعة ، خلال السنتين الماضية لاحظت أن أغلب الزيارات تأتي من أشخاص خارج المجال الطبي ، لا يوجد تفسير إلا أني لا أعرف كيف أكتب للقراء في المجال الطبي ، أو أني بارع جدا فجذبت قراء من خارجه. أظنكم تعرفون أي تفسير أجده مقنعا.

الاستطراد الثاني وهو بالحديث عن المركبات الكيميائية ، مؤخرا عدت لمشاهدة بعض حلقات بريكنغ باد مع أحد الأصدقاء الذي يشاهده لأول مرة بناء على توصيتي ، وكنت أجد نفسي أتضايق بشدة حين يبدأ باللعب في جواله أثناء بعض المشاهد ، ولا أتحدث هنا عن ضيق بسيط كالضيق الذي تشعر به حين تبدأ بالأكل دون أن تجد شيئا تشاهده على التلفزيون ، بل ضيق يصل لمرحلة الغضب حتى أني أتخيل نفسي ألقي بجواله من النافذة. في البداية ظننت أن هذا الشعور غباء مني ، بعد ذلك رأيت كثيرا من النكت والmemes أونلاين تتحدث عن نفس الشعور. الحلقة الأولى من الموسم الرابع في HIMYM تحدثت عن نفس الشعور.

حين اقتنعت أن هذا الشعور منتشر بين كثير من الناس بدأت أحاول تفسيره ، ربما بسبب أني قد رأيت هذا المسلسل أو الفيلم من قبل وبينما أنا أضيع وقتي في إعادة مشاهدته من أجلك ياصديقي أنت لا تهتم وتلعب في جوالك. لكن هذا الجواب لم يقنعني لأني سعيد بإعادة مشاهدته وليس لدي أي مشكلة في ذلك. بعد ذلك بدأت أبحث عن الجواب ، تقريبا منذ بداية بحثي وقعت صدفة على نتيجة لدراسة قامت بها إحدى شركات الدعاية عن الأسباب التي تدعو المشاهد لإعادة مشاركة فيديو أو صورة أو أغنية أو مدونة *غمزة* على برامج التواصل الإجتماعي. بعدها توقفت عن البحث لأني أظن أني قد وصلت لجواب مقنع.

أقوى سبب يدعو الأشخاص لإعادة مشاركة فيديو مثلا لا يتعلق بالشخصية الموجودة فيه بقدر مايتعلق بالشخص الذي يقوم بمشاركتها ، “انظر ماذا وجدت أنا” ، “أنا أعجبني هذا” ، “هذا يمثلني أنا”. لذلك كلما قمت أنت بمشاركة شيء ما -مدونة على سبيل المثال – فهناك شيء ما في محتواه يعكس شخصيتك ، قد يكون جملة ما ، أو صورة وفيديو مخفيين لا يكشفان إلا بالضغط على جمل معينة في التدوينة ، أو ربما مجرد ذكر مسلسلك المفضل.

بما أني قمت بتوصية المسلسل لأصدقائي فهذا يعني أن المسلسل يعكس جزءا ما من شخصيتي ، وحين يلعب صديقي بجواله أثناء مشاهدته فكأنه يتجاهل شخصيتي وتبدأ بالشعور كما لو أنه يلعب بينما أحدثه عن نفسي. أقنعني هذا التفسير مبدئيا ، وبدأت مؤخرا بتجربة ، كلما أرسل لي شخص فيديو أرفض مشاهدته وأعطي سببا غير مقنع لعدم رغبتي في مشاهدته وانتظر ردة الفعل :)

لا أعرف حقيقة إن كان التفسير الذي خرجت به بعد 24 دقيقة من البحث هو التفسير الحقيقي لكني تعلمت شيئا آخر ، كل إنسان يحب التبرير المنطقي للاشياء ، لا يهم مدى اهتمام الشخص بالعلم ولا مستوى تعليمه ، إن شألته عن شيء لا يعرفه وعرضت تبريره فسيستمتع بالحصول على التبرير. قبل فترة أيضا قمت بتجربة أخرى بان اسأل الناس من حولي “لماذا تبدو السحب المليئة بالمطر سوداء في حين أن الماء بداخلها شفاف؟” الناس الذين كانوا يعرفون الإجابة بدا على وجوههم الاستمتاع بشرحها ، والذين لم يكونوا على علم بدا على وجوههم الاستمتاع بالتبرير.

ختاما آمل أن تكونوا قد استمتعتم بالقراءة سواء كنتم في المجال الطبي أو غيره ، وآمل أن تكون التدوينة قد عكست جزءا من شخصياتكم فتقوموا بإعادة مشاركتها على برامج التواصل الإجتماعي ، وإن كنت قد وصلت إلى هنا عن طريق إعادة مشاركة فاعلم أنك إن كرهتها فإنك تكره من أعاد مشاركتها إليك ، وإن أحببتها وتركت تعليقا وأعدت مشاركتها فإنك تحب من أعاد مشاركتها إليك.

وقبل أن أذهب فإن الجواب هو أن كثافة الماء في السحابة تمنع ضوء الشمس من إختراقها وبالتالي تبدو سوداء بينما هي في الواقع مظلمة فقط.

عمر

Advertisements

3 comments on “هرطقات جامعي

  1. John Cena كتب:

    بعد ذلك عملت الإختبار الكندي
    Q1: Do you want to go to Canada?
    Q2:Really??

  2. السلام عليكم

    لا أدري مالذي أتى بي الا هنا.. ربما رغبه مني وفضول راودني وانا في مناوبتي في معرفه هل هذا الشخص مازال على قيد الحياة. وماذا يفعل.

    من الجيد رؤيتك مستمر في كتاباتك الهزلية كل هذه الفتره.

    نفس الاسلوب .. نفس الشخصيه الذي تحاول أن تظهر بها كتاباتك.. وكانك لم تتغير مع مرور الزمن..

    استمر ياهذا فمن الممكن أن يساورني نفس الشعور فأتفقد الموقع مره اخرى.. واجد ما يسليني.. ومعرفة اخبارك.

    دمتم

  3. غير معروف كتب:

    كنت ضائعة في متاهات اليوسملي لعلي اجد احدا ما يساعدني في كيفية الاستعداد له حتى وجدت نفسي هنا في مدونتك . استمتعت كثيرا في القرااءة حتى انني كنت اتخيل المواقف التي كتبتها , اذا لم تجد نسبة مشاهدات عالية فلا بأس , اجعل من هذه المدونة متنفس لك ولربما يوما من الايام تجد طريقها الى الشهرة .. دمت بود ^^

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s